اسماعيل بن محمد القونوي
51
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
إلى العباد بسبب كسبهم وإسناده إلى اللّه تعالى لكونه خالقا له عين مذهبنا أي عين مذهب أهل السنة فكيف يقول الزمخشري إن هذه الآية تدل على أن أفعال العباد مخلوقة لهم وأنه لا يجوز إسناد القبائح إليه تعالى مع إسناد التمتيع إليه تعالى الحامل على نسيان الذكر فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا وقد أوضح المص ردهم في تفسير قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] الآية مع أن علماء الكلام بينوا فساد مسلكها تمام المرام ولم يلتفت إلى رد قول الزمخشري تبرأ الملائكة والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشيطان إليهم واستعاذوا منه والغنى العدل أشد تبرئة منهم لظهور الجواب وهو إن كسب القبيح قبيح دون خلقه كما حقق في محله . قوله : ( في قضائك ) توجيه لصيغة المضي أو في علمك لكن القضاء مناسب هنا وهنا وتفضيحهم على رؤوس الأشهاد أجابوا أولا بما يدل على تبرئهم من نسبة الإضلال إلى أنفسهم بأقصى ما يمكن من المبالغة خذلانا لهم وكان من حق الظاهر أنا ما أضللناهم فأطنبوا أولا بقولهم سبحانك إلى آخره تعجبا أي كيف يصح منا أن نصفك بما يليق بحالك ونحن عاملون بالتقديس وكيف يستقيم لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك ونحن العابدون وثانيا بما يدل على أن الكفرة هم ضلوا السبيل لكن بتقدير اللّه وإضلاله فأطنبوا في تعبيرهم بقولهم ولكن متعتهم الخ يعني متعتهم بطول العمر وسعة الرزق حتى يجعلوا ذلك سببا في زيادة الشكر من قبول الذكر الذي عرض عليهم وهو القرآن والتمسك بمقتضاه من تصديق من جاء به لكونه معجزة والإيمان بما فيه من إثبات التوحيد والحشر والنشر فعكسوا ذلك وجعلوه سببا للثبات على اتخاذ الشركاء حتى جرهم ذلك إلى ترك الذكر وعدم المبالاة به لقوله تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] وينصر القول بأن المراد بالذكر القرآن قوله صاحب الكشاف والذكر ذكر اللّه والإيمان به والقرآن وما قال محيي السنة في تفسيره حتى نسوا الذكر تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن ويساعد هذا التأويل قضية النظم فإن قوله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [ الفرقان : 17 ] متصل بأول السورة وهو قوله تعالى : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [ الإسراء : 111 ] وقوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [ الفرقان : 3 ] أي اتخذوا من دون اللّه آلهة زعموا أنها أولاد للّه سبحانه وشركاء له في الإلهية وأدى ذلك إلى تكذيبهم الذكر أي القرآن أولا بقولهم : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ [ الفرقان : 4 ] وأساطير الأولين وتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسّلام ثانيا بقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فرضوا بالإله أن يكون حجرا وأبوا الرسول أن يكون بشرا وتكذيبهم اللّه آخرا حيث أنكروا البعث والنشور وإليه الإشارة بقوله بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ فإنه مستلزم لتكذيب اللّه وتحرير المعنى وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ [ الأنعام : 22 ] وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ حينئذ يعلمون أنهم أول من يخاصمهم اللّه ويخذلهم إذا سئلوا أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [ الفرقان : 17 ] أي أكنتم أولياء هم وشركاء للّه وأنتم حملتموهم على ذلك التقول والتكذيب أم هم من عند أنفسهم تفوهوا به فيجيبوا بما يلقمهم الحجر أي هؤلاء الكافرون للنعمة هم الذين عكسوا الأمر وضلوا وحقت عليهم كلمة العذاب والبوار يدل عليه قوله فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا فظهر من بيان النظم أنهم لو أجابوا بقولهم بل أنت أضللتهم أبعدوا عن المرمى .